الثورة تُصنع في الحيّز العام

Source: Al-Manshour

ميدان التحرير، القاهرة (رويترز).

"هذه هي المفارقة في الحيّز العام: حتى لو كان الجميع على علم بحقيقة غير سارة، فمجرد قولها علانيةً يغير كل شيء،" سلافوي جيجك.

قبل التطرق إلى موضوع الثورة والحيّز العام سنحاول وضع تعريف للمفهوم الأخير. يمكن اختصار الحيّز، أو الفضاء أو المجال العام بأي مكان تستطيع العامّة الدخول إليه أو التجمع فيه لقضاء حاجات شتى (التنقل، الاسترخاء، التسوّق، إبداء الرأي، المطالبة والاعتراض، إلخ). فالحيّز العام يضم إذاً الطرق، الساحات، الحدائق، المقاهي، الأسواق، المستشفيات، الجامعات وغيرها من الأماكن، كما بالإمكان إضافة وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي وشبكة الإنترنت. فالحيّز العام ليس فقط مادياً ملموساً، كما هو ليس حكراً على الملك العام بل يتعداه إلى الملك الخاص أيضاً، لكنه ليس مكاناً للحرية المطلقة وهو ليس خالياً من القيود، أكانت قانونية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيره. و كلما زادت القيود يتحول هذا الحيّز من العام إلى الخاص، أكان ملكاً عاماً أو خاصاً على حدٍّ سواء.

في الحالة المصرية، فإن قانون الطوارئ وأشكال القمع الأخرى، نقلت الحيّز العام، كمكان لإبداء الرأي والنقاش السياسي، من المجال المادي الملموس إلى العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى تاريخ 25 يناير 2011. في هذا اليوم عاد الشعب إلى "العالم الحقيقي"، عبر محاولة إعادة استملاك الشوارع والساحات. أبرز هذه الساحات كان ميدان التحرير. إن الصدارة التي تمتع بها هذا الميدان في مجرى الأحداث، لم تأتِ فقط بسبب النقل التلفزيوني المباشر أو لكونه أكبر ميادين القاهرة بل لما يتمتع من رمزية تكمن في إسقاطات لقيم النظام السياسي على هذا الحيّز العام. فبالإضافة إلى المتحف الوطني، يجاور ميدان التحرير، المجمّع، الذي يضم العديد من الإدارات الرسمية، والمقر الرئيسي للحزب الحاكم، و ليس بعيداً عنه نجد مبنى الإذاعة والتلفزيون. كما هنالك بضعة فنادق وفروع لشركات ومطاعم عالمية (هارديز، كوستا، إلخ)، وميدان التحرير نفسه ليس سوى عبارة عن مستديرة كبيرة، وظيفتها تسهيل مرور السيارات. فميدان التحرير، قبل 25 يناير، كان مكاناً للتنقل، للاستهلاك والسياسات الليبيرالية، كما كان يحدد علاقة المصري بدولته، عبر الإدارات الرسمية في المجمّع، كل هذا تحت العين الساهرة للحزب الوطني الديمقراطي. في أول أيام الثورة أحرق مقر الحزب الحاكم، المجمّع وفروع الشركات العالمية، في نفس الوقت حمى المتظاهرون المتحف الوطني. إن الثورات لا تهدف فقط إلى إسقاط النظام، بل هي فعل أخلاقي أيضاً، تهدم الثورات الرموز القديمة وتجلب معها قيّم جديدة للمجتمع. الأسابيع التي أمضتها الجماهير في ميدان التحرير، لم تكن فقط للمواجهة والصمود، بل تحول الميدان الى فسحة للحوار واللقاء، فسحة للتنوع وتحطيم الأحكام المسبقة والمحظورات، فسحة للفن والموسيقى، والأهم، فسحة للنقاش السياسي. ميدان التحرير كحيّز عام لم يعد ملكاً للنظام السابق، بل للشعب. الثورة لم تنتهِ بعد في مصر، والصراع المستمر في الحيّز العام هو من سيحدد اتجاهات الثورة.

أما في لبنان، فالمظاهرات الي تحصل تحت شعار إسقاط النظام الطائفي ورموزه – نحو دولة علمانية مدنية ديمقراطية، فمن المبكر تصنيفها كثورة، لكنها تلعب دوراً هاماً من حيث التعبئة والحشد. ومسار هذه التظاهرات، إن كان برمزيته أو بالأحياء التي يمر بها، يساهم في هذه التعبئة وإبراز هوية التحرك، عدا عن كونها تقصد أماكن لم تجر فيها تظاهرات من قبل. مظاهرة 27 شباط سارت على خطوط تماس الحرب الأهلية، التي ما زالت قائمة ولكن بشكل مختلف، بين منطقتين ما تزالان تحملان صبغة طائفية (مارونية وشيعية) منذ أكثر من نصف قرن. مظاهرة 6 آذار بمسارها جمعت الفقر، العمالة الأجنبية، ما يراد منه أن يكون غيتواً أرمنياً، بالإضافة إلى أحياء بدأ يتم تفريغ قاطنيها تدريجياً (مار مخايل-طريق النهر). مظاهرة 20 آذار عبرت من شرق بيروت إلى غربها في أحياء ذات صبغة طائفية أيضاً. أما مظاهرات 27 آذار في جبيل و2 نيسان في طرابلس و3 نيسان في صيدا، فهي تأكيد على لامركزية هذا الحراك وامتداده ليشمل كل لبنان. ما يجمع هذه المظاهرات، أولاً، محاولة اختراقها للمناطقية، أكانت طائفية أو إثنية أو طبقية، وثانياً، توجهها للمناطق الشعبية، حيث كانت تستقبل بنثر الأرز وحيث خرج العديد من السكان من منازلهم لينضموا إلى المتظاهرين في الشارع. لم تتجه هذه المظاهرات، حتى الآن، نحو مراكز القرار أو السلطة، فصفتها ليست مطلبية أو إصلاحية، بل هي توجهت إلى الأحياء الشعبية، فهي تنظر لنفسها كحركة شعبية تطمح إلى أن تتحول إلى ثورة شعبية، من خلال هذه التعبئة وهذا الحشد.

في العديد من مدن العالم وفي إطار السياسات الليبيرالية، تحاول الحكومات والإدارات المحلية إبعاد الناس عن الحيّز العام وتحويله فقط إلى مكان للتنقل والاستهلاك. فمن لوس أنجلس (الذي تناول موضوعها مايك ديفيس في "مدينة الكوارتز" – أنظر العدد ٢٠ من المنشور) إلى القاهرة، إلى بيروت، يتوحّد خوف المسؤولين من تواجد الجماهير في الشارع. ففي بيروت، معظم السياسات المدينية تتجه نحو بناء الجسور وتوسيع الطرق لتسهيل حركة السيارات، في الوقت الذي تم إجهاض أي مشروع للنقل المشترك أو لحدائق أو لساحات عامة، و تكاد تخلو شوارع المدينة من أية مقاعد عامة (عدا منطقة وسط بيروت حيث الحراسة الأمنية مشددة). و من هنا تنبع أهمية التظاهرات في لبنان، لأنها تهدف إلى إعادة الناس إلى الحيّز العام، المادي والملموس، المكان الحقيقي للالتقاء وإبداء الرأي والمطالبة بالحقوق والنقاش السياسي، لأنها تهدف الى إعادة استملاك المواطنين حيّزهم العام.