الفاشية تعريف أولي

Source: Al-Manshour

”ثمّة نزعة فاشيّة تتربّص بهذا البلد منذ نشأته،“ بهذه الجملة افتتح وسام سعادة مقالته في جريدة المستقبل، يوم الجمعة 17 أيلول 2010. ومن البديهي القول أن تاريخ لبنان الحديث مليء بالتوصيف أو الاتهام لأحزاب معينة بالفاشية. فابتداءً من الحرب العالمية الثانية، تم استعمال كلمة ”فاشية“ بكثرة كمصطلح تحقيري وهو يستخدم عادة للدلالة على الميول الاستبدادية لأحزاب او لأنظمة سياسية. وبحسب ريتشارد غريفيث، فإن الفاشية هي “أكثر كلمة يساء ويفرط بإستخدامها في عصرنا هذا”. ومن هنا تنبع ضرورة اعتماد تعريف علمي للفاشية قبل البدء بمقاربة موضوع فاشية بعض الاحزاب اللبنانية.

”تشريح الفاشية“

روبرت باكستون، في كتابه ”تشريح الفاشية،“ يصل إلى الخلاصة التالية:

”يمكن تعريف الفاشية كشل من أشكال السلوك السياسي يتميز بهَوَس في انحطاط المجتمع، الشعور بالذلّ والإحساس كالضحية، كما تتميز بعبادات (ذات صفة تعويضية أو بديلة) للوحدة، للقوة و للنقاء، التي من خلالها يقوم حزب شعبوي مؤلف من ناشطين وطنيين ملتزمين، عاملاً في تعاون غير مستقر لكن فعال مع النخب التقليدية، بالتخلي عن الحريات الديمقراطية وبالسعي، عبر عنف خَلاصي و بدون أي قيود أخلاقية أو قانونية، وراء أهداف التطهير الداخلي و التوسع الخارجي.“

ويضيف، يمكن استخلاص أيديولوجية الفاشية من خلال عدة أفعال، جمعهم تحت عنوان ”تعبئة المشاعر“:
- الشعور بأزمة ساحقة أبعد من متناول الحلول التقليدية.
- أولية الجماعة، حيث على الفرد نحوها واجبات تتفوق على كل حقّ، أكان فرديّا أو عائليّا، وخضوع و تبعية الفرد لها.
- الاعتقاد بأن الجماعة هي ضحية، وهو شعورٌ يبرر أي عمل، خارج أية حدود قانونية أو أخلاقية، ضد أعدائها، سواء في الداخل أو في الخارج.
- الخوف من انحطاط الجماعة بسبب النتائج المدمرة لليبرالية الفردية، الصراع الطبقي والتأثيرات الغريبة والمغايرة.
- الحاجة إلى تكامل أوثق لمجتمع أنقى، عبر الموافقة إذا أمكن أو عن طريق العنف الإقصائي عند الضرورة.
- الحاجة للسلطة من قبل قياديين بالفطرة (دائماً من الذكور)، تبلغ ذروتها بشخص زعيم وطني/قومي وحده قادر على تجسيد المصير التاريخي للجماعة.
- تفوق غرائز الزعيم على المنطق واعتماده على الفكر المجرد و العالمي.
- جمال العنف و فعالية الإرادة، عندما يتم تكريسهم لنجاحات الجماعة.
- حقّ الشعب المختار في الهيمنة على الآخرين، بدون أية عوائق قانونية، إلهية كانت أم بشرية. المعيار الوحيد للحقّ هو قوة وإقدام الجماعة في إطار نضال دارويني.

والجدير بالذكر، أن من الأخطاء الشائعة هي اعتبار نظام فرانكو في اسبانيا فاشياً. فرغم اعتماده لقب ”الكوديللو،“ فهو لم يكن ”زعيم“ حزب الفالانج (الكتائب). ومع أن هذا الحزب كان من ركائز ”التحالف الوطني“ (بالإضافة إلى الكنيسة و الجيش و الملكيين) إلا أن دوره المحوري بدأ بالتضاؤل مع نهاية الحرب العالمية الثانية وترسخ أسس نظام الحكم الجديد. إن إسقاط صفة الفاشية عن نظام فرانكو، لا يعني البتة تبرئته من المجازر و الجرائم التي اقترفها بحقّ الشعب الاسباني.

الفاشية نزعة أم جوهر؟

يعتبر وسام سعادة، في مقالته المشار إليها أعلاه، الفاشية ”نزعة انتابت بشكل عضويّ حركات سياسيّة متعدّدة ومختلفة ومتعاقبة،“ و النزعة هي الميل أو الاتجاه، فهي إذن مرحلية، جرثومة مؤقتة قد تصيب بعض الأحزاب. إن أية دراسة جدية لتاريخ الحركات الفاشية تناقض هذه المقولة، ان هذه الحركات لم تتخل يوماً عن جوهرها الذي تأسست عليه وإن قامت ببعض التنازلات أو خففت من حدة خطابها في فترة معينة، فهذا بداعي البراغماتية السياسية للوصول إلى مبتغاها. يتابع سعادة، محاولاً إضفاء صبغة علمية على مقالته، عبر تفنيد السمات الأساسية للحركات الفاشية، و هي في رأيه: ”أوّلاً، عبادة الزعيم ... الذي يعلم كل شيء والذي لا يخطئ والذي يجسد الأمّة جمعاء ... وثانياً، تمجيد العنف لا كوسيلة بل كغاية في حد ذاتها ... وثالثاً، بناء منظّمات حربيّة ... خارجة عن سلطة الدولة ... ورابعاً، تبنّي نظريّة المؤامرة كمدخل لتفسير التاريخ كما السياسة ... وخامساً، تبرير أيّ شتيمة منظّمة، وأيّ جريمة منظّمة، وأي كذب منظّم، على قاعدة أنّ كل شيء مباح لمحاربة نظريّة المؤامرة.“

إن بعض نقاط هذا التعريف المختزل تتلاقى مع نقاط باكستون كفكرة الزعيم أو المؤامرة (الشعور كالضحية)، وبعضها الآخر منافية للمنطق كتمجيد العنف كغاية بحدّ ذاتها، فعلى مرّ تاريخ المجتمعات البشرية، لم يكن العنف مهما استفحل غاية بل وسيلة لتحقيق أهداف، سياسية كانت أو إقتصادية أو روحانية إلخ. إن مقولة “العنف للعنف” لا تدخل إلا في رؤية مانوية بهدف أبلسة الفاشية ومن سينعتهم بها لاحقاً. إن مقالة وسام سعادة هي سياسية، بل بروباغندا بامتياز، و هي تتخذ من البحث العلمي غطاء لها.

فاشية وثيوقراطية

سنستعرض بشكل سريع ”الفاشيات الثلاث“ التي تطرق إليها كاتب المقالة بدون أن يسميها: فاشية الأربعينيات (أي الحزب السوري القومي الاجتماعي)، السبعينيات (حزب الكتائب) والفاشية الحالية (حزب الله). نعيد التذكير بأن إظهار الفاشية كنزعة مرحلية من حياة حزب ما، هي قراءة انتقائية، مثلها مثل توصيفه الكتائب كحزب محافظ اضطر إلى التحول إلى الفاشية ”كردّة فعل على جريمة فرط الدولة اللبنانية.“ فحزبا الكتائب والقومي السوري، منذ نشأتهما في الثلاثينات، و عبر تاريخهما، هم أكثر من يستوفي الشروط التي وضعها باكستون. أما في ما يخصّ حزب الله، فارتباطه بولاية الفقيه، من بين عدة أمور، يجعل منه حزباً ثيوقراطياً لا فاشياً، وبين المفهومين فرق. سنكتفي بهذه اللمحة السريعة للوضع اللبناني، بسبب ضيق مساحة المقالة، تاركين للقارىء لذّة استكشاف ”الأحزاب الفاشية اللبنانية،“ وذلك عبر المقارنة مع المعايير التي و ضعها روبرت باكستون.