لوس أنجلس: مرآة المدن “الفارغة”

Source: Al-Manshour

مراجعة لكتاب ”مدينة الكوارتز: التنقيب عن المستقبل في لوس أنجلس“ لمايك دايفيس

يطرح ديفيس، في كتابه، فكرة أن لوس أنجلس هي مزيج من اليوتوبيا والواقع المرير للرأسمالية المتقدمة، وأن دراسة معمقة لهذه المدينة يمكن أن توفر رؤية مستقبلية لعالمنا. يقوم الكاتب بذلك من خلال الكشف عن التاريخ الغامض للمدينة، عبر عرض للأساطير التأسيسية المتعاقبة، تحديد القوى التي شكلت سياستها، تسليط الضوء على حركة الطبقة الوسطى البيضاء للحفاظ على امتيازاتها وقيمة ممتلكاتها، وأخيراً دراسة دور الهندسة المعمارية والتصميم المديني في حراسة الحدود الاجتماعية، لكنه يأخذنا في البدء في جولة على أنقاض مستقبل لوس أنجلس البديل: يوتوبياتها النقيضة.

مقدمة: المشهد من ماضي المستقبل

عام ١٩١٤، ثمانية شبان من ”شباب العصبة الاشتراكية“ أسسوا مدينة للانو دل ريو في صحراء موهافي، 90 ميلاً من وسط لوس أنجلس. جاءت هذه المستعمرة الجديدة كردّ فعل على سياسة ”الورشة المفتوحة“ للمدينة (أي عدم توظيف كل من ينتمي أو يقدم دعماً مالياً لنقابة)، وأيضاً لتطوير أساليب حياة جديدة. اتسمت للانو بالخصومات الداخلية كما جذبت العديد من الخصوم (الدائنون، المجالس المحلية، لوس أنجلس تايمز، إلخ) و تم هجرها في عام 1917 إثر خسارة حقوقها المائية من خلال دعوى قضائية. بعد سبعين عاماً، تنتظر للانو ليتم تطويرها كضاحية أخرى للوس أنجلس. مع تضاؤل المساحات القابلة للتطوير العمراني في السهول الساحلية والأحواض الداخلية، أضحت صحراء موهافي ”الحدود الأخيرة“ للحلم الكاليفورني: ضواحي سكنية أرخص لسكان لوس أنجلس وثروات جديدة للمتعهدين الذين يؤمنون فقط بعض البنى التحتية و”جداراً واقياً،“ بدون أي اعتبار للبيئة أو لأية عواقب أخرى، مروجين في الوقت عينه لخوف جديد من المدينة.

الفصل الأول: مدينة مشمسة أو نوار؟

حولت هوليود وصناعة الطيران والفضاء لوس أنجلس إلى مركز جذب لمن يسميهم ديفيس ”العمالة العقلية المهاجرة،“ الذين وقعوا في شرك من العلاقات المدمرة بطبيعة رأسمالية صرف. إنها مدينة الإغواء والهزيمة، بعيداً عن الفكر النقدي. أنتجت هذه الحالة تناقضاً حاداً: جمعت لوس أنجلس بين النخب المثقفة الأكثر خضوعاً والأكثر انتقاداً وحدةً لثقافة وبرامج الرأسمالية المتقدمة. يمكن إرجاع الأسطورة التأسيسية الحديثة للوس أنجلس إلى محاولة إحياء الازدهار الاقتصادي عقب انهيار أسعار الأراضي (1880). تولى العقيد أوتيس، صاحب لوس أنجلس تايمز، قيادة شركات الأعمال. بدأ في عسكرة العلاقات الصناعية في المدينة و كان يعاقب أي نشاط نقابي بعنف وشرعت المدينة تسوق لنفسها عبر سياسة ”الورشة المفتوحة.“ بريادة التايمز بدأ ”المعززون“ (صحافيون و أدباء) بترويج لقيم أراضى المدينة و لمناخها الصحّي. أعادوا كتابة التاريخ، واصفين نشأة لوس أنجلس كقدوم ”ثقافة حضارية أسمى“ بالنسبة للهنود الحمر، متجاهلين أي ذكر للوحشية التي جعلت من لوس أنجلس أكثر المدن عنفاً في الغرب خلال عقدي ال1860 وال1870. تتمثل عقيدتهم في أن لوس انجلس هي المدينة الفاضلة، يوتوبيا العرق الآري المتفوق، الملجأ المشمس لأميركا البيضاء البروتستانتية في عصر الاضطرابات العمالية والهجرة الجماعية للكاثوليك واليهود الفقراء من شرق وجنوب أوروبا.

اتت ردة الفعل في عام 1920 عبر ”كاشفي الزيف“ من كتّاب و فنانين من خلال تأكيدهم لمحورية العنف الطبقي في تشييد لوس أنجلس والتنديد بوهمية مدينيّتها. خلال فترة الكساد الكبير التي شهدتها ال1930 ، تابع ال”نوار“ هذا العمل، محّولين كل عنصر جذب لفردوس ”المعززين“ الى نظيره المشؤوم، معتمدين على السينما لإعادة رسم مدينة لوس انجليس كجحيم. معظم مناصري هذا التحرك كانوا من ضمن الطبقة الوسطى المتضررة من الكساد. في عام 1930، ركز المثقفون الأوروبيون، الهاربون من تصاعد الفاشية في أوروبا، والمعروفون تحت اسم ”المنفيين،“ ركّزوا على هوليوود وعلى الوحدات السكنية المستقلة التي تستوعب المهمة التاريخية للبروليتاريا وتحوّلها الى أسر أنانية استهلاكية. كما اشتكوا من فقدان أماكن عامة ذات حسّ مواطنيّ وبعد تاريخي ومن غياب حشود مثقفة ونقد فكري ومن زيف العمران في المدينة. اعتبروا لوس أنجلس نقيضاً لمفهوم المدينة وككرة بلورية تكشف مستقبل الرأسمالية. منذ عام 1980، تم استيراد مثقفين، أو ”مرتزقة،“ لوضع تصورات للوس أنجلس كمدينة عالمية. مع اكتشاف أن الثقافة ترفع قيمة الاراضي، استثمر تحالف من القطاعين العام والخاص مبالغ طائلة في بناء المتاحف واستيراد الاعمال الفنية. ترافق هذا الازدهار مع انحطاط الفن المحلي، عبر حجب الأموال اللازمة لفناني لوس أنجلس ومراكزها الاجتماعية الفنية.

الفصل الثاني: مواقع النفوذ

من يحكم لوس أنجلس؟ مع أن السلطة السياسية استمرت بالتحول على مرّ الزمن إلا نها ما زالت تُنَظَّم من قبل تجمعات كبيرة من رؤوس الأموال الخاصة. تجمع لوس أنجلس بين عدة اتجاهات: 1- التحولات المفاجئة في القاعدة الاقتصادية الأساسية التي تعيد تكوين تكتل السلطة السياسية. 2- استمرارية نفوذ “البيض-الانكلو ساكسون-البروتستانت” في مواقع السلطة. 3- الطبيعة التمددية للتطوير العمراني الذي يضعف أية مركزية إدارية. 4- عولمة الطبقية. 5- التغيير البطيء للهيكلية السياسية. ولكن وفي معظم الاحيان، لوس أنجلس تدار من خلال الأرض ومن يملكها، ففي كل حالة تقريباً، كانت النخب والاستراتيجيات الجديدة تنتج من إعادة هيكلة السياسة الإقتصادية للتطوير العمراني.

ابتدأ النفوذ الأميركي في لوس أنجلس في 1820 حين صاهر الارستقراطيون الاسبان عددا من المغامرين اليانكي، ورث هؤلاء كل شيء، ثم باعوا معظم الأراضي بأسعار مرتفعة بعد ثلاثة عقود. تلا ذلك هبوط حاد في الاسعار. استغل بعض رجال الاعمال الفرصة، كما أسسوا المصارف وحرصوا على أن تكون لوس أنجلس محطة رئيسية ضمن شبكة السكك الحديدية. شهد عام 1890 بروز العقيد أوتيس، المنظم الرئيسي لجمعية ”المرافىء الحرة،“ الذي طرح برنامجاً تنموياً طموحاً و حطم البنية التحتية للحركات العمالية في المدينة. احتكر المضاربون، برئاسة أوتيس وصهره هاري تشاندلر، الثروة والسلطة في لوس انجلس. في بداية القرن العشرين، اتسعت هيمنة البروتستنتيين البيض على المدينة وتم استبعاد التدريجي للنخب اليهودية والكاثوليكية من الوظائف الرئيسية.

في 1920، بالرغم من جهود تشاندلر انهار النظام الحصري للتنمية العقارية كما خفف التمدد العمراني الواسع من سيطرة الشركات الكبرى على المدينة. وبحلول 1950 برزت ”وست سايد“ (في غالبيتها اليهودية) كمركز آخر للسلطة منافسةً ال”داون تاون“ (أوتيس-تشاندلر و حلفائهم) وذلك بفضل الصناعات المرتبطة بهوليوود، بالعقارات وبالطيران والفضاء. الستينيات كان عقد تدفق السود واللاتينيون إلى لوس أنجلس. في ذات الوقت التي كانت نخبتا المدينة تتصارعان على السلطة، حاولتا احتواء السود، بارغامهم على السكن في الأحياء الفقيرة في وسط المدينة، من خلال إغلاق آلاف الوحدات السكنية المنخفضة الدخل، وعبر الايعاز إلى الشرطة بالإساءة في معاملتهم، مما أدى إلى حركات تمرد عام 1965.

وحتى مع انتخاب أول أميركي من أصل أفريقي رئيساً لبلدية لوس انجلس عام 1973، فقد استمرت سياسة العزل هذه غير الرسمية. ابتداءا من السبعينات أدى تدفق الاستثمارات الاجنبية إلى تلاقي ”وست سايد“ مع ”داون تاون“ ونبذ خلافاتهما. في الثمانينات حصل تحول جديد لمراكز السلطة في لوس أنجلس، حيث سيطرت مصارف نيويورك والشركات اليابانية على صنع القرار في المدينة، خاصة عبر احتكار التطوير العمراني في المدينة، التي ما زالت الصناعة الأكثر ربحاً وأضحت المساحات والعقارات الفارغة المنتوج الأكثر تصديراً للوس أنجلس. أمام تدفق هذه الاستثمارات الخارجية، فضلت نخب المدينة عدم المواجهة وقررت الانضمام إلى هذا ”الرخاء المشترك.“

الفصل الثالث : ثورة الضواحي الميسورة

العقارات أيضاً محورية للعديد من مالكي المنازل في لوس أنجلس. ففي ضواحي المدينة، مفهوم المجتمع يعني تجانس العرق والطبقة وخاصةً أسعار المنازل. في حالة كانوغا بارك مثلاً، طالب القاطنون في القسم الأغنى من هذه الضاحية المدينة بفصل منطقتهم عن محيطها وتسميتها ”وست هيلز،“ من أجل عزل أنفسهم عن جيرانهم الأقل ثراء، الأمر الذي أدى الى زيادة 20,000 دولار فورية في قيمة ممتلاكتهم. في بداية القرن العشرين، أنشأت لوس أنجلس مناطق حصرية لتشييد منازل فردية مستقلة (الأولى في الولايات المتحدة). الهدف من قوانين التخطيط هذه هو ضمان التجانس الاجتماعي والعرقي. بعد فترة وجيزة، تم تشكيل أول جمعية لمالكي المنازل. هذه الجمعيات كان لها دوراً فعّالاً في تعبئة البيض ضد أية محاولة للسود في شراء منازل في تلك المناطق ”المميزة،“ و تعاونوا لبعض من الحالات مع ال”كو كلوكس كلان.“

في الخمسينيات ضغطت جمعيات مالكي المنازل بمساندة ”مطّوري العقارات،“ نحو خفض للضرائب العقارية و اعتماد قوانين خاصة (تسوير الضواحي السكنية، الخ). ساعدت هذه التدابير على هجرة البيض من وسط لوس انجلس إلى الضواحي التي أضحت منفصلة بحكم الواقع عن المدينة. في 1970، بدأ المتعهدون بتشييد منشآت سكنية وتجارية كبيرة في الضواحي، مما أدى الى اصطدامهم مع جمعيات مالكي المنازل الذين تحالفوا مع ناشطين بيئيين للضغط نحو تخفيض عوامل الاستثمار وإبطاء حركة النمو العمراني. توّجت حركتهم بالنجاح في 1987 مع انهيار نظام معالجة المياة الآسنة في محطة هايبيريون والحوادث البيئية التي تلتها (لم يلحظ أحد العلاقة العضوية بين النمو العمراني وقدرة استيعاب نظام الصرف الصحي). تم اعتماد قانون U لتخفيض عوامل الاستثمار وابطاء التنمية العمرانية. لكن بالنسبة إلى جمعيات مالكي المنازل، الخطاب البيئي يتناغم فقط مع خلق مجتمع متجانس وارتفاع قيمة العقارات في معاقل آمنة للطبقة الوسطى البيضاء. أواخر السبعينيات حصلت أيضاً ”ثورة الضرائب“ في ضواحي لوس انجلس، بسبب الزيادة الضريبية التي نتجت عن تضخم أسعار العقارات. نتج عن هذه الانتفاضة البورجوازية إقرار القانون 13 (تخفيض الضرائب لسكان الضواحي ووعداً صريحاً بعدم استعمال هذه الأموال في الأعمال والنفقات الاجتماعية في وسط المدينة) وارتفاع في قيمة الممتلكات بنسبة ثلاث مرات أكثر من معدل الدخل.

الفصل الرابع : القلعة لوس أنجلس

في لوس أنجلس، المحافظة على نمط حياة مترف تحّول إلى هوس في أنظمة الحماية وازدياد ”عسكرة“ المدينة. فالهندسة المعمارية والتخطيط المديني ساهما جنباً إلى جنب جهاز الشرطة في هذا المجهود الأمني وسياسة الفصل والتمييز. بدأت هذه السياسة في الأماكن العامة بحيث أضحت الشوارع الحيوية لحركة المشاة مقتصرة على مرور السيارات، الحدائق العامة أصبحت ”مستوعباً“ للمشردين، الخ.

افترضوا أن العدد الكبير من السود واللاتينيين يخفض من قيمة العقارات، فنقل المستثمرون وسط المدينة التجاري والمالي إلى بانكر هيل، بضعة مئات من الأمتار غربي الوسط التاريخي، قاطعين في الوقت عينه أية صلة لحركة المشاة، والترامواي، بين المنطقتين. واعتمدت المدينة إستراتيجية ”الاحتواء“ للمشردين عبر تجميعهم في منطقة واحدة، سكيد روو، وعلى نقيض السياسة البيئية المعتمدة في بانكر هيل، باشرت المدينة في تحويل الأماكن العامة إلى أماكن غير صالحة للعيش للمشردين والفقراء. تم تركيب مقاعد عامة على شكل براميل وأنشأوا نظاما لريّ الحدائق يعمل في أوقات عشوائية، لمنع استعمالها للنوم، في حين تناقص عدد المراحيض العامة بشكل حاد.
طوّر المهندسون المعماريون الرائدون، أمثال فرانك غيهري، تصاميم منغلقة على ذاتها أشبه بالقلاع الحصينة. فأضحت المباني العامة (المكتبات، المدارس، الخ.) عدائية الشكل، محصّنة بأسوار حديدية ومراكز حراسة، لا تسمح طبيعة حيطانها برسم جداريات أو بالكتابة عليها. تحوّلت الضواحي الميسورة إلى مدن مسوّرة مع نقاط دخول محددة ومراكز حراسة، كما تمت خصخصة طرقها العامة. أما في الأحياء الفقيرة فقد تم بناء مراكز ضخمة للتسوق، تحتوي أيضاً على مخافر لشرطة لوس أنجلس. من ناحية أخرى، يعتبر بناء السجون من أكبر الاستثمارات ضمن البرنامج الرئيسي لتطوير وسط المدينة القديم، وقد تمّ تمويه الأبراج-السجون، المبنية داخل الأحياء التجارية، لتظهر كقطع فنية جمالية.

* * *

”مدينة الكوارتز“ هو تفكيك تاريخي للقصة الرسمية للوس انجلس. يصّور مايك ديفيس المدينة عى أنها طليعة الرأسمالية. فالتدمير المبكر للبروليتاريا المنظّمة ساهم في تطبيق برنامج تطوير طموح مدعوماً بحملة دعائية شرسة، لتحويل لوس أنجلس إلى المدينة البرجوازية الفاضلة. الهجوم الأيديولوجي المضاد، وبالرغم من حدّته، لم يكن يملك لا الوسائل ولا القدرة على النجاح، في مدينة تنبع السلطة السياسية فيها من ملكية العقارات.

الإفراط في التطوير العمراني، أنتج صدعا في الطبقة البرجوازية، ولّد صراعاً مستمراً بين مؤيد و معارض لسياسة النمو العمراني ومستقبل تنظيم لوس أنجلس المديني. واكب التوتر العنصري تاريخ المدينة، وعلى الرغم من الانسجام العرقي على المستوى النخب، في الآونة الاخيرة، من أجل الاستفادة من الازدهار الاقتصادي، فإن سياسة العزل و التفرقة لا تزال السمة الرئيسية للحياة الاجتماعية في لوس أنجلس.

تحوّلت الهندسة المعمارية و التنظيم المديني إلى أدوات فعّالة لتنفيذ سياسة العزل هذه (الطبقية والعنصرية)، مستغلين الهاجس الأمني لتحويل المدينة الى تجمّع من الكيانات-القلاع الحصينة. على مرّ السنين، كانت لوس أنجلس الرائدة في عدة مجالات و مختبراً للرأسمالية المتقدمة، النماذج التي أنتجت في هذه المدينة تم نسخها و اعتمادها في أماكن أخرى. من خلال ”مدينة الكوارتز،“ يظهر لنا مايك ديفيس، أنه في ظل عالم رأسمالي بشكل متزايد، لوس أنجلس هي مرآة مستقبلنا.